صورة قديمة

عشت بأربعة بيوت، وباليابان ثلاثة بيوت. كبرت وأنا اشوف أهلي بمدينة ثانية بعيدين عن أهلهم، وبالمناسبات والأعياد نزورهم. فهذا النمط من الحياة عودّني على فكرة: عدم التعلق بالأشياء والأشخاص. لأن التنقل الكثير بين المدن والبيوت، شفت تأثيره الآن، كنت استغرب من نفسي كيف قادرة أعيش لفترات طويلة من غير لا أشوف اهلي أو صحباتي، كنت أتساءل وأنا اقرأ أو اشوف ناس ما تقدر تعيش بمدينة بعيدة عن أهلها أو تسافر لفترات طويلة: هل أنا عديمة إحساس؟ ما أحبهم؟ أقدر أعيش للأبد لوحدي؟

بس الجواب: طبعًا لا. أحبهم بنفس القدر وما أقدر أعيش لوحدي للأبد. بس الفرق قدرة تقبلنا وتحملنا للموضوع مختلفة.

كبرت وأنا اشوف أمي ما تحب تحتفظ بالذكريات الكثيرة ولا تحب تتعلق بزيادة بالأشخاص، كانت ولا زالت دايمًا تقولنّا: الحياة تمشي وما توقّف، فلا تتعلقوا بشدة بالأشخاص والذكريات، لأنها مؤلمة.

برأيي وضعي أنا أفضل، من ناحية استنزاف المشاعر وعدد الخيارات المحدودة جدًا. لأن الحياة مستمرة وتمشي والفرص بكل مكان.

سبحان الله هذ الشيء يدعونا للتفكير، كيف نمط تربية معين وحياة طويلة نكبر عليها، تنعكس بشكل لا إرادي على الأطفال وعلى قرارتهم المستقبلية وتستمر طول حياتهم؟!

IMG_7441

مؤمنة إننا كبشر عشان نحصل على شيء بالغالب لازم نضحّي بشيء بالمقابل. ولأني مؤمنة بهذا الشيء، ومؤمنة إن حياتي الآن أفضل حياة ممكن اعيشها، فمقتنعة وراضية الحمدلله.

ولكن احيانًا صورة، شخص، ريحة، فيديو أو أي شيء، يرجعّنا لذكريات قديمة، توقّف فينا الزمن وترجعّنا لمواقف وذكريات قديمة جدًا.

صورة وحدة من ذكريات الانستقرام -من سنة ٢٠١٣ – شفتها مؤخرًا وأنا بنهاية اليوم ومستعدة للنوم، كانت كفيلة إنها ترجعّني لحياة كاملة تركتها من ٤ سنوات بكل مشاعرها وذكرياتها، تخلينا نتسائل عن صحة قراراتنا.

دايمًا اسأل نفسي: هل لو كانت حياتي على كيفي هل بكون سعيدة؟ ودايمًا جوابي: لا.

لأن الحياة مليانة جدًا، ونظرتنا محدودة ومقصورة على اشياء معينة، ولأننا كبشر طماعيين، فنحاول دائمًا الحصول على كل شيء.

بس لمّن تكون فيه سلطة أكبر وأقوى منا، تدبّر أمرنا، هنا يجي دورنا لنقتنع ونرضى إن هذا أفضل شيء وأجمل شيء، وهو كذلك فعلًا.

قد قرأت بكتاب “عند فقد أحد عزيز، احنا ما ننساه، احنا نتعود نعيش من دونه”، كنت بنقاش لطيف بالإنستقرام، وكان مجمله عن “التعوّد والتكيّف”، وكيف إنها قدرة عظيمة، وبالنسبة لي أقوى من النسيان.

 بس طبعًا لكل شيء جانبين، ولأن الحياة ما تمشي على وتيرة وحدة، مرة فوق ومرة تحت، وأحيانًا نعيش بوضع صعب، وما عندنا غير التأقلم، فهنا يكمن جمال القدرة، والأجمل إنها بشكل اوتوماتيك، مافي خطوات لازم نسويها عشان نتعود.

بس من جانب ثاني التعود على وضع بإمكاننا نغيره للأفضل، غلط. لازم نكون كبشر مستوعبين الوضع وقدراتنا، عشان يا نستسلم للتعود ونتعايش معاه لأن فعلًا هذا الحل الوحيد أو نطمح للأفضل ونسعى له، لأن فعلًا نقدر نتجاوزه.

Processed with VSCO with c9 preset

اللي يعرفني يعرف إن حياتي متعددة الاهتمامات والخيارات، مفتوحة ومتقبلة لكل شيء جديد.

ولكن الشهور الأخيرة سرقتني الحياة لجانب الدراسة والبحث عن الوظيفة فقط. بس الاسبوع الماضي حضرت حفلة موسيقية، ولأنّي من النوع اللي يحب يعيش اللحظة ويتجاهل أي أفكار مالها علاقة باللحظة. انصدمت من نفسي كيف سرحت بخيالي وأفكاري لأماكن كثيرة وبعيدة ومختلفة.

مقعدي بالصف الثاني، فقريبة جدًا من المسرح، يعني رؤيتي صغيرة ومحدودة وواضحة، بس لسبب مجهول رؤيتي كانت واسعة جددًا وشملت كل الحياة، كأني فوق حافة جبل والرؤية لا نهاية لها. بهذي الساعتين عشت مشاعر كثيرة ومختلطة، قررت قرارات وعزمت على إنهاء عادات، تذكرت ذكريات وتأكّدت من مشاعر كنت ناسيتها. ساعتين غريبة، والأغرب إني ما قاومت شعوري وأجبرت نفسي تعيش اللحظة فقط!

المضحك متى جاتني هذي اللحظات! ولأني من النوع اللي يحاول يستعد لها ويرتب الوقت والجو والمشروب وأقول: الآن راح أفكر بشكل جدي، وأقرّر القرارات النهائية.

ولكن الحياة ليست كذلك، هذي اللحظات تجينا على حين غرة! وحالتي أكبر مثال بوسط حفلة موسيقية حماسية ومن فترة طويلة ما حضرت. فالشاهد في الموضوع لا تستعدوا بشكل مبالغ وبتفاصيل عميقة، اتركوا الحياة تأخذنا لأماكن غير متوقعة، ووقتها لا تقاوموا الشعور وعيشوه بشكل كامل.

من بعد انقطاع شهر -وهذا الشيء نادر الحدوث من سنة ونصف- قابلت صديقة المرحلة والتجارب والمشاعر، اللي تعلمت منها وأكيد تعلمت منّي.

لقاء غريب جدًا، شفنا فيلم الساعة ١٠ الصباح وهذا يحتاج الاستعداد من ٨ الصباح. وبعدها المشي الكثير بدوائر واسعة وغير مقصودة! المكان اللي بدأنا يومنا فيه بشكل غير مقصود نرجع له. 

يوم غريب وغير متوقع، صارت مواقف لو كنت مع شخص ثاني، كان انحرجت وتأكدت إنه مستحيل يخرج معايا مرة أخرى.

ناكل وأحنا ساكتين تمامًا، فلو كنت ليال أيام الثانوي، كانت حمّلت نفسي هذا السكوت وأجبرت نفسي لإنعاش الجلسة بحديث سريع وممتع! ولكن ليال الحالية عاشت اللحظة من غير تفكير ومحاولة ابدًا.

وصلت لمرحلة من التفكير: لمّن نوصل لمرحلة الصمت، هذا لأننا تكلمنا بكل شيء وأي شيء، فالنتيجة ما عندنا شيء جديد نضيفه، مو لأننا عندنا أحاديث وتجارب وما نبغى مشاركتها. وهذا شيء جميل ورائع، لأن بنظري الصداقات اللي توصل له ذي المرحلة، تجاوزت المراحل الأولية وانتقلت لمراحل عميقة. ممتنة كثير لهذي الصداقة.

Processed with VSCO with c7 preset
Processed with VSCO with c7 preset

فكرة التطوع فبالي من أكثر من سنة، بس الوقت والمكان ما كانوا مناسبين. بس قبل أسبوعين تطوعت بمكان يبعد عني فوق ساعة، وكان الشغل متعب بس ممتع بنفس الوقت، مافي أي مردود مالي ابدًا، بس الشعور بعد نهاية اليوم وانت تشوف كيف مساعدتك أثّرت بالمكان وتحول بظرف كم ساعة مثل ما كان تقريبًا، رائع جدًا. طبعًا الإضافة الرائعة هو اختلاف الناس المشاركة بالتطوع، العمر الجنسية والخبرات وكل شيء، الإستفادة هنا عظيمة.

أكثر كلمة أكررها هذي الفترة “ليال لا تنسي هذا الشعور” كل يوم اذكّر نفسي فيها، لأني للأسف تأثير الأشياء عليا سريع جدًا. مثلًا، أحبّ اليابان وحياتي فيها جدًا، وعندي استعداد لكم سنة إضافية أعيش فيها، بس مع الحياة اليومية والمواقف الصعبة والمتعبة، يندفن هذا الشعور، وكل اللي يجي على بالي: عادي! الحياة واسعة جدًا، والخيارات بأماكن كثيرة، وبالسعودية كمان. بس من موقف بسيط جدًا وغير متوقع، كمشوار لطيف خفيف، منظر الغروب من البلكونة، فيلم أو دراما، تذكّرني أنا اصلًا ليش من البداية أحبّ اليابان وأحبّ حياتي هنا، وعندي استعداد أكمّل حياتي هنا، ولأن هذا الشعور الحقيقي السريع ما يستمر إلاّ لفترة بسيطة، فصرت أذّكر نفسي فيه يوميًا.

الحياة بكل تفاصيلها محتاجة مجهود منّا، فأتمنى للجميع حياة سعيدة وملونة وأجمل من جهدنا المبذول

1 thought on “صورة قديمة”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *